مقالات وآراء

أيزنكوت يجدد سرديات قديمة

نشرت مجلة «معراخوت» العبرية، في الأسبوع الماضي، مقالاً بعنوان: (الجيش «الإسرائيلي» بعد 30 عاماً)، كتبه رئيس أركان حرب الاحتلال، غادي أيزنكوت، بغرض محاولة التنبؤ بحال جيشه بعد 100 عام على تأسيسه، وإنشاء «إسرائيل». ولسنا، هنا، بصدد تفصيل ما ورد في هذا المقال، إنما الإشارة إلى الملاحظات التالية:

أولاً، يبدأ المذكور مقاله حذراً، حيث يقول: «مَن يحاول أن يفهم المستقبل يدرك بسرعة أن القدرة على التنبؤ هي محدودة.. وأن تحديات الأمن القومي التي سنضطر إلى مواجهتها لن تكون أقل تعقيداً من تهديدات الماضي..». لكنه ينتهي إلى استخلاص جازم قاطع، هو: «سيواصل الجيش الحفاظ على تفوقه في مختلف المجالات، في البر والجو والبحر، وفي المجال السيبراني، وسيطور تفوقاً سيبلغ حجوماً لا يمكن تخيلها الآن..وكل ذلك من خلال تعزيز قيم الجيش وروحيته وأهدافه: في الدفاع عن الدولة وتأمين وجودها وانتصارها في جميع الحروب».

ثانياً، اتخذ أيزنكوت هذا هزيمة الجيش الالماني لجيوش فرنسا في الحرب العالمية الثانية، نموذجاً، حيث نجح في تحليل إخفاقاته في الحرب العالمية الأولى، و«توجهه نحو التخطيط لحرب معاصرة هجومية قصيرة». وأشار إلى إخفاق الجيش الأمريكي في فيتنام بسبب قتاله بصورة تقليدية في مواجهة حرب عصابات، وإلى إخفاق الجيش الفرنسي بسبب اعتقاد قادته «أن الحرب العالمية الثانية ستكون شبيهة بالحرب العالمية الأولى، أي دفاعية وطويلة». وشرح من خلال هذين النموذجين كيف تكون الجيوش، أحياناً، بحاجة إلى فشلٍ، من أجل تخطي العوائق الناجمة من عدم مراجعة الإخفاقات، ومواكبة التغيرات. لكنه يضيف، هنا، ما يناقض استخلاصه المذكور أعلاه، ويؤكد فشل جيشه أكثر من مرة، حيث يقول: «هذه الأمثلة التاريخية، مثلها مثل التغيرات التي طرأت على الجيش «الإسرائيلي»، في ضوء دروس حرب «يوم الغفران»، (1973)، وحرب لبنان، (1982)، والثانية، (2006)، تدل على أن الجيوش تجد صعوبة في تكييف نفسها وفق التحديات التي تواجهها، إلاّ عندما تواجه فشلاً يقود إلى عملية تفكير عميقة».

ثالثاً، أما مصدر ثقة أيزنكوت ب«انتصار«إسرائيل» في جميع حروبها»، مستقبلاً، ف«النواة القيمية والثقافية والتنظيمية الموجودة في الجيش منذ تأسيسه»، أي «قيم السعي نحو الالتحام بالعدو، وتحقيق النصر، والهجوم والمبادرة والتصميم، التي ظلت جزءاً مهمّاً من الجيش«الإسرائيلي»حتى اليوم، وستظل تشكل جزءاً مهمّاً منه في المستقبل، أيضاً». ويضيف: «من الناحية العملية، فإن حرب عام 1948 التي بدأت بسياسة سلبية دفاعية انتهت بعمليات هجومية مهمة، (عملية «حيرام» في الشمال)، و(عملية «حوريف» في الجنوب). هاتان العمليتان حولتا مبدأيْ الهجوم والمبادرة إلى جزء مهم من عقيدة «إسرائيل» الأمنية، تحت مبدأ نقل القتال إلى أرض العدو». وكأن كل ذلك لم يكن قائماً أثناء الحروب التي اعترف أيزنكوت نفسه بفشل جيشه فيها. هنا يعترف أيزنكوت بعدوانية حروب «إسرائيل»، الناجح منها والفاشل، وينكر، ككل قادة الاحتلال «الإسرائيلي»، أنهم «نزازة» حروب، وسيبقون كذلك، ما داموا ينكرون أنهم مَن رفض، ولا يزال يرفض «تسوية الصراع» وفق معادلة «الأرض مقابل السلام»، بما يؤدي إلى تهدئة هذا الصراع، وإلى تغيير أشكاله إلى أمد غير قصير، وإلى فتح أفق واقعي لإنهائه بتحقيق «العدل التاريخي». أما الظن بإمكانية إنهائه بالمزيد من الحروب، كما يبشر أيزنكوت، لطرف، فمحض أوهام، كما دلت تجربة قرنٍ من الزمان.

لكن، لتضليل العالم، بل، ولتضليل «الإسرائيليين» أنفسهم، وتعبئتهم، وتحشيدهم وإعدادهم، وزجهم، بالتالي، في أتون حروب ممتدة دائمة ومفتوحة، فقد اخترع رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، كذبة «أن «إسرائيل» مضطرة للعيش على حد السيف إلى الأبد»، ككذبة جديدة تضاف، وتستند، إلى أكاذيب قديمة كثيرة، أبرزها أن اليهود هم «الضحية الدائمة»، وأن «مسألتهم» كانت عصية على الحل باندماجهم، كمواطنين، في مجتمعات دولهم القومية المدنية الحديثة، أسوة بأتباع الديانات الأخرى. إنها الأكاذيب ذاتها، والسرديات الخرافية، غير التاريخية، ذاتها، التي اتخذها، ولا يزال يتخذها قادة آخر وأطول وأبشع احتلال في التاريخ المعاصر، عدة شغل، وغطاء، للتملص من الاعتراف بمسؤوليتهم عن ارتكاب جريمة العصر، نكبة فلسطين، وتنفيذ أكبر عملية سطو سياسي، وأبشع عملية تطهير عرقي، عرفهما التاريخ الحديث والمعاصر.ش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: